الشريف المرتضى
318
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
أمّا تعلّقهم بأنّه صلّى اللّه عليه وآله كان أفصحهم ، فيسقط من وجوه : أوّلها : إنّ كونه أفصحهم لا يمنع من أن يقارب كلامهم كلامه مقاربة قد جرت بمثلها العادة ؛ لأنّه ليس يصحّ في العادة أن يتقدّم أحد في شيء من الصّنائع حتّى لا يقاربه فيها غيره ، بل لا بدّ - وإن انتفت « 1 » المساواة - من المقاربة . وقد مضى أنّه تحدّاهم بأن يأتوا بما يقاربه لا بما يماثله على التّحقيق ؛ فقد كان يجب أن يعارضوا وإن كان أفصحهم . على أنّا قد بيّنا أنّ التحدّي وقع بالقرآن [ من جهة ] المعارضة ؛ فيعلم أنّهم عنها مصروفون ، وأنّه إنّما طالبهم بأن يفعلوا من الكلام ما كان المعلوم من حالهم تمكّنهم منه وأنّه الغالب على كلامهم دون ما تشكل الحال فيه ، وذلك يسقط التعلّق بكونه أفصحهم ؛ لأنّه لم يطالبهم إلّا بما يعهدون ويعرفون من الفصاحة على طريقتنا . وثانيها : إنّ الأفصح وإن امتنعت مساواته من جميع كلامه ؛ فإنّ مساواته في البعض غير ممتنعة ، بهذا جرت العادات . ألا ترى أنّ من كان في الطّبقة الأولى من الشّعراء - وإن كانوا قد بانوا من سائر أهل الطّبقات وتقدّموهم في الفصاحة - فإنّه لا بدّ أن يكون في كلام من تأخّر عنهم ما يساوي كلامهم بل ربّما زاد عليه ، ولهذا نجد كثيرا من المحدثين يساوون [ شعراء ] الجاهليّة ويماثلونهم في مواضع كثيرة من كلامهم - وإن كان المتقدّمون يفضلونهم في جملة كلامهم وعمومه - فقد كان إذا كان التّحدّي وقع بسورة من عرضه ، وإن قصرت ، أن يعارض ولا يمنع التقدّم في الفصاحة من معارضته . وثالثها : إنّ هذا لو كان جائزا لكان القوم الّذين تحدّوا بالقرآن فعجزوا عن معارضته ، إليه أهدى وبه أعلم ؛ فكان يجب أن يواقفوه على ذلك ويحتجّوا به ،
--> ( 1 ) في الأصل : وارتفعت ، ولا معنى لها هنا ، والظاهر ما أثبتناه .